الشوكاني
231
نيل الأوطار
ثم كذلك إلى انقراض العالم فالصحابة خير القرون ، ولا ينافي هذا تفضيل الواحد من أهل قرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر ، فإن قلت : ظاهر الحديث المتقدم أن أبي عبيدة قال : يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ فقال : قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولا يروني يقتضي تفضيل مجموع قرن هؤلاء على مجموع قرن الصحابة . قلت : ليس في هذا الحديث ما يفيد تفضيل المجموع على المجموع ، وإن سلم ذلك وجب المصير إلى الترجيح لتعذر الجمع ، ولا شك أن حديث : خير القرون قرني أرجح من هذا الحديث بمسافات لو لم يكن إلا كونه في الصحيحين ، وكونه ثابتا من طرق ، وكونه متلقى بالقبول ، فظهر بهذا وجه الفرق بين المزيتين من غير نظف إلى الأعمال ، كما ظهر وجه الجمع باعتبار الأعمال على ما تقدم تقريره ، فلم يبق ههنا إشكال والله أعلم . قوله : لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان سبب ذلك أن الرجل يرغب إلى المرأة لما جبل عليه من الميل إليها ، لما ركب فيه من شهوة النكاح ، وكذلك المرأة ترغب إلى الرجل ، لذلك فمع ذلك يجد الشيطان السبيل إلى إثارة شهوة كل واحد منهما إلى الآخر فتقع المعصية . قوله : بحبوحة الجنة قال في النهاية : بحبوحة الدار وسطها ، يقال : بحبح إذا تمكن وتوسط المنزل ، والمقام والبحبوحة بمهملتين وموحدتين ، والمراد أن لزوم الجماعة سبب الكون في بحبوحة الجنة ، لأن يد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذ إلى النار كما ثبت في الحديث . قوله : من سره حسنته الخ ، فيه دليل على أن السرور لأجل الحسنة ، والحزن لأجل السيئة من خصال الايمان ، لأن من ليس من أهل الايمان لا يبالي أحسن أم أساء . وأما من كان صحيح الايمان خالص الدين فإنه لا يزال من سيئته في غم لعلمه بأنه مأخوذ بها محاسب عليها ، ولا يزال من حسنته في سرور ، لأنه يعلم أنها مدخرة له في صحائفه ، فلا يزال حريصا على ذلك حتى يوفقه الله عز وجل لحسن الخاتمة . والى هنا انتهى الشرح الموسوم تبيل الأوطار من أسرار منتقى الاخبار بعناية مؤلفه ( محمد بن علي بن محمد الشوكاني ) غفر الله له ذنوبه وستر عيوبه وتقبل أعماله وأصلح أقواله وأفعاله وخم له بخير ودفع عنه كل بؤس وضير . وصلى الله على سيرنا محمد وعلى آله وسلم . ( تم )